أخبار عاجلة
الرئيسية / المراه والطفل / الشجاعة، الصدق، الأمانة… قيم تعزيزها في الصغر كالنقش في الحجر
الشجاعة، الصدق، الأمانة... قيم تعزيزها في الصغر كالنقش في الحجر

الشجاعة، الصدق، الأمانة… قيم تعزيزها في الصغر كالنقش في الحجر

لا يهتم لأي شيء، غالبًا لا يحترم الآخرين، ولا يكترث لمشاعرهم. شكاوى يسمعها التربويون من بعض الآباء الذي يشعرون بالإحباط والعجز بسبب تصرفات أبنائهم.
الاحترام والشجاعة، حب العمل… قيم إنسانية نظن أنها فطرة في الإنسان، ولكن لا، بل هي مهارات نكتسبها منذ الطفولة. فكيف نعلّم الطفل اكتشاف هذه القيم وإدراك أهميتها في الحياة؟ كيف يمكن نقل القيم التي من شأنها أن تعزّز لدى الأبناء حب العمل والجهد واحترام الأشخاص… وما هي خصائص القيم؟
عن هذه الأسئلة وغيرها تجيب الاختصاصية في التقويم التربوي الدكتورة لمى بنداق.

ما هي القاعدة الأساس للقيم؟
القاعدة الأولى في القيم هي التشديد على الاحترام حيث كل القواعد تفسح في المجال للعلاقة بين الأنا والآخر. على سبيل المثال عندما نفسح في المجال لمرور سيّدة مسنّة، يعني أننا ندرك وجودها واختلافها وسنّها، وهذا لا يكون بالفطرة، بل لأننا تعلّمنا كيف نحترم الآخرين. وهذا ينطبق أيضًا على القيم الأخلاقية.
الصدق والشجاعة والشعور بالمسؤولية، قيم لا يتعلّمها الطفل مثلما يتعلّم جدول الضرب، وإنما ينشأ عليها وفقًا للمحيط الاجتماعي الذي يكبر فيه والقيم التي ينقلها الوالدان إليه، شريطة ألا يقتصر هذا على الكلام والوعظ.
فكما نعلّم الطفل أنّ السرقة تصرف سيئ، يجب أن نعلّمه أيضًا أنه لا يحق له الاستيلاء على أشياء الآخرين، وهذا لا يكون من طريق الالتزام الواعي بالقواعد الاجتماعية، وإنما نتاج تطور طويل في إدراكها وتطبيقها والمثابرة على الالتزام بها حتى تصبح بداهة سلوكية، يبدأ تدريب الطفل عليها منذ أن كان رضيعًا في المهد.
لذا، ولتحقيق القيم في الواقع، علينا أولاً أن ندرك وجودها بالفعل. وهذا يعني، أن نعرف أن هناك أشياء تستحق أيضًا أن نعلّق الآمال عليها، حتى أننا نضحّي لأجلها. وهذا لا يحدث لوحده.
فمثلاً القيمة الوحيدة عند الرضيع، هي سعادته، التي يتطلب تحقيقها تلبية احتياجاته، وأيضًا العواطف التي يثيرها اهتمام والدته به ورعايتها له.
وعندما يكتشف هذه المتع، فإن هذا الصغير لا يهدأ له بال، بل تكثُر مطالبه، وتتكرّر إلى ما لا نهاية إذا لم تتدخل والدته، وتضع له حدًا. مثلاً الرضاعة التي تمنحه المتعة الفورية، يجب أن تتوقف في سن معيّنة.
أما إذا تراخت الأم فإنه يستمر في طلبها حتى ولو أصبح في سن الفطام.
فبهذا المنع تُلزم الأم طفلها التخلي عن الملذات الماضية لتسمح له باكتشافات ممتعة جديدة، فتقول له: «لم تعد رضيعًا، بل أصبح في إمكانك تناول الطعام بالملعقة»، وبذلك، من حيث لا تدري، تعطيه أول درس له في القيم: المتعة الفورية لا يمكن أن تكون المتعة الوحيدة في الحياة، بل هناك أشياء أكثر متعة يمكنك بلوغها. وتتبع هذا الدرس دروس أخرى، يعطيها الآباء لأطفالهم تباعًا وبما يتوافق مع المرحلة العمرية.
لذا ينتقل الطفل من مرحلة الاتكال على والديه في كل شيء إلى مرحلة الاستقلالية والقيام بالكثير من الأمور وحده مثل ارتداء ملابسه، غسل أسنانه، ويبدأ التعرف إلى قيمة العمل وتحمل المسؤولية، وما المسموح أو الممنوع.
فمن الممنوع التجوال في البيت عاريًا، لأن عليه احترام جسده وخصوصيته، فالمجتمع الإنساني يختلف عن المجتمع الحيواني في الغابة، هناك قواعد وأصول يجب احترامها. احترام الذات والآخر يتصدّر القيم التي يتعلّمها الطفل.

ما هو دور الأهل في بناء القيم عند الطفل والمراهق؟
الآباء هم النموذج الأول لمعنى القيم وممارستها بالفعل. فالطفل يتعلّم القيم والقواعد الاجتماعية من خلال أهله. فمنهم يتعلّم احترام الآخرين وقيم النزاهة والصدق عندما يراهم يتصرّفون على أساسها.
فهو يقلّدهم في كل ما يفعلونه، وبالتالي فإن تعلم القيم يكون صامتًا، ولذلك لا يمكن أن تنتقل القيم الأخلاقية باعتبارها معرفة فكرية، أو درسًا يتلقنه أو عظة تكرّر على مسمعيه، فالطفل يتعلمها من خلال التجربة، ومن طريق التربية، أي القدوة الصالحة والتدريب العملي.
ويكبر الطفل لنراه وقد اكتسب قيم والديه وتبناها وأصبحت من صفاته الذاتية. وهنا نتذكر قول الشاعر أبو العلاء المعرّي:
«وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوه».

ماذا عن دور المدرسة؟
يأتي دور المدرسة في المرتبة الثانية بعد الأهل. وحينما يخرج الطفل من بيته إلى المدرسة، يجد نفسه في مجتمع أوسع وفيه حرية أكثر.
والمدرسة ليست مجرد مناهج ومقررات، إنما تشمل أيضًا المدرّسين وإرشاداتهم وكذلك الزملاء. ولكل هؤلاء تأثيرهم في قيم الطفل، الذي ينتقل بعد ذلك في مراحل التعليم إلى مجتمع أكثر اتساعًا تختلف فيه القيم، ولا شك سيكون له تأثيره فيه، وبخاصة القراءة ووسائل الإعلام.


ما هي القيم الأساسية التي على الأهل تعليمها لأبنائهم؟

هناك العديد من القيم ولكنّ خمساً أهمها وهي:

النزاهة Honesty بمعنى الصدق والوضوح ، ويتّسم الشخص النزيه بالعدل وسمو الأخلاق والبعد عن السوء والكذب. ويمكن الطفل اكتسابها عندما يجد أبويه يتعاطيان معه ومع المحيطين به بصراحة. والعكس صحيح، فعلى سبيل المثال عندما يسمع الطفل والده يكذب على صديقه بينما يحادثه على الهاتف ويقول له إنه في العمل بينما هو في المنزل.
ففي هذه الحالة نجد الطفل يتخبط حائرًا وغير قادر على استيعاب التناقض، وبعد فترة من تكرار الأحداث يكتسب ويقتنع بأن الكذب مقبول. وبالنسبة إلى التربية، يجب تشجيع الولد على قول الحقيقة ومكافأته على ذلك، حتى عندما يقترف خطأ ما ويعترف به، يمكننا القول له: «سنخفّف العقاب لأنك قلت الصدق».

العدالة Justice وهي مفهوم يقوم على الحق والأخلاق، ومن أهدافه الإنصاف والمساواة والتوازن وعدم التعدّي وحماية المصالح الفردية والعامة.
وهذا يمكن الطفل اكتسابه من خلال سلوكيات الأهل، ومن خلال سلوكياته هو. فعلى سبيل المثال ولنتخيل المشهد «يسيء الطفل التصرف ويحطّم بناء المكعّبات لرفيقه أو أخيه في المنزل، يطلب منه أبواه الاعتذار»، ولكن الطلب منه الإعتذار غير كافٍ، بل يجب أن يناقشاه حول شعوره عندما يحطم أحدهم لعبته، أو يسألاه ألن يشعر بالحزن ، سوف يقول «بلى» عندها يجب سؤاله عن كيفية التعويض عن الخطأ الذي ارتكبه.
وغالبًا ما نرى الأطفال قادرين على إعطاء بدائل، وإذا لم يستطيعوا، يمكن الأهل مساعدتهم بقولهم على سبيل المثال: «ستبني من جديد ما حطمته».

المثابرة Determination بمعنى المواظبة على العمل لإنجازه بنجاح. وهذا يولّد الدافعية للتقدّم نحو الهدف مهما كانت الصعوبات.
فعندما يرى الطفل كيف تصبر الأم على أعمالها وتنهيها، وكيف يصبر الأب على أشغاله ويتمّمها، ينعكس ذلك عليه.
وبالطبع من خلال سلوكياته يمكن تعليمه هذه القيمة. فعلى سبيل المثال، عندما يرسم الطفل صورة جيدة وتثني عليها الأم وتقوم بعرضها في مكان ما، نجده يركض ليرسم صورة ثانية، ولكن بسرعة كي يحصل على الثناء والمدح، فتغدو أقل مستوى من الأولى.
عندها يجب على الأم أن تقول له إن الصورة الثانية ليست بمستوى الصورة الأولى، وأنه لم يبذل جهدًا كافيًا فيها مثلما فعل في الأولى، وتطلب منه أن يحاول مجددًا ويعطي عمله حقه والوقت والجهد المطلوبين لتكون بمستوى الأولى وأفضل. وبهذا يمكننا أن نقول إن رأي الأهل يجب أن يكون صادقًا.

التعاطف مع الآخرين Consideration and Empathy بمعنى القدرة على تفهّم الآخرين ومشاركتهم الأحاسيس. وهذا يراه الطفل ويختبره في سلوكيات الأهل، فعندما يلتمس والده العذر لعمّه أو لأي شخص آخر ويحسن الظن به، يحصل الطفل على مساحة للتفكير بأن هناك أسباباً وراء السلوكيات التي تبدو سلبية.
فعلى سبيل المثال إذا سمع الطفل والده يتحادث على الهاتف مع صديقه، ويقول له إنه لا مشكل إذا تأجل موعدهما وأقفل الخط. وسمع الوالد يقول لوالدته إن صديقه أجّل موعدهما، ولكنه متأكد من أنه تم تأجيله لسبب قهري ويبدأ بالدعاء له بتسهيل أموره.
فعندما يلاحظ أن والده التمس العذر لصديقه، وزيادة يدعو له بالتيسير، فهذا يفتح آفاقه على أن هناك أسبابًا ظاهرة وأخرى غير ظاهرة لتصرف ما. وفي سلوك الطفل، يمكن تدريبه على ذلك عندما ننمّي لديه مهارة حل المشاكل، ونتحاور معه لنلتمس الأعذار لسلوكيات الآخرين.

الحب Love بمعنى مجموعة من الأحاسيس والسلوكيات، ذاتية وخارجية تدلّ على التعلق والانجذاب والإعجاب والاهتمام.
وهذا أيضًا يكتسبه الطفل، فعندما ينشأ في بيت يغمره الحنان والعطف، ويرى سلوكيات الوالدين تتميز بالحب، فهذا نموذج كافٍ ليعلمه أن يبادل الحب بالحب.
فالكلام المشجع والنظرات الدافئة والتعامل السوي أسس يتبناها الطفل. فعلى سبيل المثال عندما تجتمع العائلة على مائدة العشاء، ويرى الطفل والده يُطعم والدتة من طبقه، ومن ثم أطعمه، فذلك يولد الشعور بالحنان والحب، وأكثر من ذلك يعزز قيم العطاء.


ماذا عن المراهق، لماذا نجده أحيانًا يثور على القيم التي تعلمها من أهله؟
المراهقة هي المرحلة التي يعيد المراهق خلالها النظر في القيم التي تربّى عليها، ويحاول بناء قيمه الخاصة.
وهذا جزء من بحثه عن تحديد هوّيته الخاصة، وبالتالي التخلي عن التماهي بالأهل، فهو يتوق إلى الحرية والاستقلالية. لذا من الملاحظ اعتراضه على الكثير من القوانين المنزلية التي يضعها الوالدان، ويحاول اختراقها، وتكون القيم الراسخة في العائلة من المسائل التي قد يرغب في تبديلها، لا لشيء، إلا لأنه يريد أن يظهر لأهله أنه قادر على مواجهة الحياة وصعابها بقيمه الخاصة.
فيفعل عكس ما يريدون، ويُسمعهم عبارة «أنتم مخطئون». هذا الموقف هو دليل على انتقاله الى مرحلة النضج.
فالمراهقون يقومون بعمل صعب، ويبذلون مجهودًا ليفرضوا حضورهم في هذا العالم. وهم حين يصرخون بصوت عالٍ، فذلك لأنهم غير واثقين بالقيم التي اختاروها.
حتى لو كان من الصعب جداً بالنسبة إلى الأهل تحمّل صراخ ابنهم المراهق وتقبّل ثورته، عليهم أن يتذكّروا أن «المراهق لطيف»، وهو عندما يثور، ليس لأنه يريد الطعن بالتربية السليمة التي نشأ عليها، أو لمجرد الثورة على قيم أهله، وإنما يريد من أهله منحه الحق والحرية في التفكير.
لذا فعندما يختبر المراهق القيمة التي تبنّاها ويجدها غير صحيحة، فإنه يدافع عن نفسه بالصراخ والاعتراض، إذا ما تلقى لومًا من والديه. لذا من الضروري أن يجري الأهل حوارًا مع أبنائهم حول القيم التي يتبنونها، وتجنب تجريحهم أو الاستهزاء بآرائهم، لأن هذا سيزيدهم تعنّتًا وحتى رفضًا لكل قيم أهلهم.

نقلا عن مجلة لها

عن وسام توفيق

شاهد أيضاً

حكاية فستان الفرح فى أسبوع الموضة الباريسى

يتحدث المصمم اللبنانى العالمى “جورج حبيقة”عن حكاية فستان الفرح الذي خطف الأنفاس في أسبوع الموضة …

شارك الخبر